العمل الخيري العالمي
أنشأ هيئة الهلال الأحمر الإماراتي ومؤسسة زايد للأعمال الخيرية، وقدّمت الإمارات في عهده مليارات الدراهم كمساعدات إنسانية لأكثر من مئة دولة حول العالم.
القيادة والرؤية
قصة الإنسان الذي بنى أمةً من واحة
من قلب العين انطلقت رحلة بناء دولة الإمارات الحديثة على يد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الذي شكّلت العين شخصيته وفلسفته في الحكم والحياة.
وُلد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان عام 1918م في مدينة العين، حيث نشأ بين الواحات والصحراء. تعلّم من البيئة المحيطة الصبر والحكمة وحبّ الأرض، وعرف قيمة الماء والزراعة في حياة الإنسان. شكّلت هذه الطفولة البسيطة في أحضان الطبيعة شخصية قائد استثنائي عرف معنى التحدي قبل أن يعرف معنى السلطة.
كان يخرج مع الرعاة والمزارعين في سنّ مبكرة، يتعلّم فنون الصيد بالصقور، ويستمع إلى حكايات الأجداد حول نار المخيم. عرف أسماء النجوم ومسالك الرمال، وأتقن ركوب الخيل والإبل، فنشأ ابناً حقيقياً للصحراء يحمل في قلبه حبّاً عميقاً لأرضه وشعبه.
في عام 1946م عُيّن الشيخ زايد ممثلاً للحاكم في منطقة العين، وبدأ حقبةً جديدة من التطوير والإصلاح. ركّز على تحسين نظام الأفلاج وتطوير الزراعة وتحقيق العدالة بين القبائل. اكتسب ثقة الناس بحكمته وتواضعه، وأصبحت العين في عهده نموذجاً للتنمية المحلية القائمة على الاحترام المتبادل والعمل الجماعي.
كان يجلس مع الناس في مجلسه المفتوح يستمع إلى شكاواهم ويحلّ نزاعاتهم بالعدل والحكمة. أمر بشقّ الطرق وحفر الآبار وتوسيع المزارع، وأنفق من ماله الخاص على مشاريع البنية التحتية. عُرف بكرمه الشديد وتواضعه، إذ كان يزور المرضى ويشارك البدو حياتهم اليومية دون تكبّر أو تكلّف.
آمن الشيخ زايد بأن الأرض الصحراوية ليست عائقاً بل فرصة، فأطلق مشروعاً طموحاً لتخضير الصحراء لم يسبق له مثيل في المنطقة. أمر بزراعة ملايين أشجار النخيل والأشجار الحرجية في أنحاء الإمارات، محوّلاً مساحات شاسعة من الرمال القاحلة إلى واحات خضراء ومزارع منتجة. كان يقول: «أعطوني زراعةً أضمن لكم حضارة»، مؤمناً بأن الزراعة هي أساس الاستقرار والازدهار.
لم يكتفِ بزراعة الأشجار، بل أسّس مشاريع ريّ حديثة، واستقدم خبراء دوليين لتطوير التقنيات الزراعية. حوّل نظام الأفلاج القديم إلى شبكة ريّ عصرية، وأنشأ محطات تحلية المياه لتوفير الموارد المائية. أصبحت الإمارات في عهده من أكثر الدول اهتماماً بالبيئة في المنطقة، وغدت العين رمزاً حياً لرؤية زايد الخضراء.
زُرعت في أنحاء الإمارات بأمر زايد
تحويل نظام الري القديم إلى شبكة عصرية
تأمين الموارد المائية لمشاريع التخضير
الإمارات رائدة الاهتمام البيئي في المنطقة بفضل رؤية زايد الاستباقية
حين تولى الشيخ زايد حكم إمارة أبوظبي في عام 1966م، كان يحمل في قلبه حلماً أكبر من إمارة واحدة: توحيد الإمارات السبع في دولة واحدة قوية ومتماسكة. بدأ مشاوراته مع حكام الإمارات الأخرى بحكمة وصبر، مؤمناً بأن الوحدة هي السبيل الوحيد لبناء مستقبل مشرق. وفي الثاني من ديسمبر 1971م تحقق الحلم بإعلان قيام دولة الإمارات العربية المتحدة، وانتُخب الشيخ زايد أول رئيس لها بالإجماع.
لم يكن طريق الاتحاد سهلاً، فقد واجه تحديات سياسية وقبلية واقتصادية جمّة. لكن زايد بحنكته الدبلوماسية وإيمانه الراسخ بالوحدة استطاع تجاوز كل العقبات. قدّم التنازلات حين لزم الأمر، وبذل ثروات أبوظبي النفطية لدعم الإمارات الأقل ثراءً، مؤمناً بأن ثروة الأرض يجب أن تُوظَّف لخير جميع أبنائها دون تمييز.
لم يكن الاتحاد مجرد اتفاق سياسي، بل كان مشروع حياة آمن به زايد بكل جوارحه، وسخّر كل إمكاناته لتحقيقه وترسيخه في وجدان الأجيال القادمة.
امتدت يد زايد الخيّرة إلى ما وراء حدود الإمارات، فأسّس مؤسسات إنسانية وخيرية قدّمت المساعدات لملايين البشر في أنحاء العالم. لم يكن يفرّق بين عرقٍ ودين ولون، بل كان يرى في كل إنسان أخاً يستحق العون والكرامة. مثّلت رؤيته الإنسانية نموذجاً فريداً في القيادة الرحيمة.
أنشأ هيئة الهلال الأحمر الإماراتي ومؤسسة زايد للأعمال الخيرية، وقدّمت الإمارات في عهده مليارات الدراهم كمساعدات إنسانية لأكثر من مئة دولة حول العالم.
آمن زايد بالحوار والتفاهم بين الشعوب والحضارات، وفتح أبواب الإمارات أمام جميع الثقافات والأديان. أسّس بذلك نموذجاً فريداً للتعايش السلمي يحتذي به العالم.
ترك الشيخ زايد إرثاً خالداً يتجاوز الحدود الجغرافية والزمنية. فقد بنى دولةً حديثة على أسس من العدل والتسامح والإنسانية، وأرسى قيماً جعلت الإمارات نموذجاً يُحتذى في التعايش والتنمية المستدامة. لم يكن زايد حاكماً فحسب، بل كان أباً لشعبه، يستمع إليهم ويشاركهم همومهم وأفراحهم، ويعمل بلا كلل لتحقيق رفاهيتهم.
حين رحل الشيخ زايد في الثاني من نوفمبر 2004م، بكاه العالم بأسره، وأجمعت الشعوب والقادة على أنه كان من أعظم رجال الدولة في القرن العشرين. لكن إرثه لم يرحل معه، بل بقي حياً في كل مواطن إماراتي يحمل قيم أبيه المؤسس في قلبه وعقله.
آمن زايد بأن التعليم هو السلاح الأقوى لبناء الأمم، فأسّس المدارس والجامعات وأرسل البعثات الدراسية، وجعل التعليم متاحاً ومجانياً لكل مواطن ومواطنة. أنشأ جامعة الإمارات في العين عام 1976م لتكون منارة علمية، وشجّع تعليم المرأة إيماناً منه بأنها نصف المجتمع وشريكة في بناء الوطن.
كان زايد من أوائل القادة الذين نادوا بحماية البيئة في المنطقة. أسّس المحميات الطبيعية كجزيرة صير بني ياس ومحمية المرزوم، ومنع الصيد الجائر، وأطلق مبادرات تخضير الصحراء التي جعلت الإمارات واحةً خضراء. أولى اهتماماً خاصاً بحماية المها العربي والصقور والسلاحف البحرية من الانقراض.
غرس زايد في شعبه روح الوحدة والانتماء الوطني، وجعل من التنوع الثقافي قوةً لا ضعفاً. أرسى مبادئ التسامح والتعايش التي أصبحت ركيزة الهوية الإماراتية. جعل من الإمارات أرضاً تتعايش فيها أكثر من مئتي جنسية في سلام ووئام، وأسّس ثقافة الاحترام المتبادل بين جميع الأعراق والأديان والثقافات.
يظلّ الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حاضراً في وجدان كل إماراتي وكل عربي عرف قيمة القيادة الحقيقية. فقد حوّل صحراءَ قاحلة إلى دولة عصرية تحتضن أكثر من مئتي جنسية في تعايش فريد. رؤيته لم تقتصر على البناء المادي، بل امتدت إلى بناء الإنسان وتعزيز قيم الكرامة والعدالة والتسامح. إرثه الخالد يتجلّى اليوم في كل شارع مُشجَّر، وكل مدرسة مفتوحة، وكل جسر يربط بين الشعوب.
الثروة الحقيقية هي ثروة الرجال وليست ثروة المال والنفط. فالمال لا قيمة له إن لم يُسخَّر لخدمة الشعب.
— الشيخ زايد بن سلطان آل نهيانمن قلب العين انطلقت رحلة بناء دولة الإمارات الحديثة على يد المؤسس الشيخ زايد، الذي شكّلت العين شخصيته وفلسفته في الحكم والحياة.