النباتات والأشجار
ينمو على سفوح الجبل أكثر من 200 نوع نباتي، منها أشجار السدر والسمر البرية التي تتحمل الجفاف والحرارة الشديدة، إضافةً إلى نباتات طبية تقليدية استخدمها السكان المحليون عبر الأجيال.
إمارة أبوظبي
الشاهد الصامت على حضارة العين
يرتفع جبل حفيت بشموخٍ فوق سهول العين ليكون أكثر من مجرد جبل، فهو سجلٌّ جيولوجي وتاريخي يمتد لملايين السنين، ومَعلمٌ طبيعي فريد يحتضن كنوزاً أثرية وبيولوجية لا تُقدّر بثمن.
يُعدّ جبل حفيت أعلى قمة في إمارة أبوظبي بارتفاع 1,249 متراً، وهو سجلّ جيولوجي مفتوح يكشف طبقات صخرية تعود لملايين السنين. تحتوي صخوره على حفريات بحرية نادرة تشهد على أن هذه المنطقة كانت يوماً ما قاعاً لبحر قديم، مما يجعله مختبراً طبيعياً لا مثيل له لدراسة تاريخ الأرض.
يقع جبل حفيت على الحدود بين دولة الإمارات وسلطنة عُمان، ويُطلّ على مدينة العين من جهة الجنوب. شكّل الجبل عبر التاريخ معلماً بارزاً يهتدي به المسافرون والقوافل التجارية، وكانت سفوحه ملاذاً آمناً للسكان المحليين وموطناً لمستوطنات بشرية قديمة تعود لأكثر من خمسة آلاف عام.
تنتشر عند سفوح جبل حفيت الشرقية مئات المقابر الأثرية التي تُعرف بـ"مقابر خلايا النحل" نظراً لشكلها الدائري المميز. يعود تاريخ هذه المقابر إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد (نحو 3000-2500 ق.م)، أي إلى العصر البرونزي المبكر، مما يجعلها من أقدم الشواهد على الاستيطان البشري في المنطقة.
بُنيت هذه المقابر من حجارة محلية غير مشذّبة ورُصّت بعناية لتشكّل غرفاً دائرية صغيرة. عُثر بداخلها على أدوات فخارية وأسلحة نحاسية وحُلي من الأصداف والخرز، تكشف عن شبكة تجارة واسعة امتدت إلى بلاد ما بين النهرين وحضارة وادي السند. وقد أُدرجت هذه المقابر ضمن مواقع التراث العالمي لليونسكو عام 2011م.
منتشرة عند السفوح الشرقية للجبل
تصميم دائري فريد من حجارة محلية مرصوصة
أدوات تكشف عن تبادل مع بلاد الرافدين والسند
أُدرجت ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي
يمتد الطريق الجبلي المتعرج إلى قمة جبل حفيت بطول 12 كيلومتراً، وهو أحد أجمل الطرق الجبلية في العالم. صُمّم هذا الطريق بدقة هندسية عالية ويتضمن منعطفات حادة تكشف عند كل منحنى مشاهد بانورامية خلّابة للصحراء والمدينة. يستقطب الطريق عشاق القيادة وراكبي الدراجات الهوائية من مختلف أنحاء العالم.
عند سفح الجبل تتدفق العيون الحارة الطبيعية المعروفة بـ"عين الفايضة"، وهي ينابيع معدنية دافئة كانت وجهةً علاجية واستجمامية منذ القدم، وتُحيط بها حدائق خضراء تُشكّل متنفساً طبيعياً لسكان المنطقة وزوّارها.
يحتضن جبل حفيت تنوعاً بيولوجياً مذهلاً يجعله محمية طبيعية فريدة في قلب البيئة الصحراوية. تتنوع فيه الحياة النباتية والحيوانية بشكل يفوق التوقعات، حيث توفر الشقوق الصخرية والكهوف والأودية الجافة موائل متنوعة لمئات الأنواع.
ينمو على سفوح الجبل أكثر من 200 نوع نباتي، منها أشجار السدر والسمر البرية التي تتحمل الجفاف والحرارة الشديدة، إضافةً إلى نباتات طبية تقليدية استخدمها السكان المحليون عبر الأجيال.
يأوي الجبل تنوعاً حيوانياً غنياً يشمل الثعالب الحمراء والوعول الجبلية والقطط البرية، إلى جانب أكثر من 120 نوعاً من الطيور المقيمة والمهاجرة، بما فيها طيور جارحة نادرة.
أعلنت هيئة البيئة في أبوظبي جبل حفيت محمية طبيعية وطنية، وتُنفذ برامج لرصد الأنواع وحمايتها من التهديدات البيئية، بهدف الحفاظ على هذا الإرث الطبيعي للأجيال القادمة.
يحتل جبل حفيت مكانةً خاصة في الذاكرة الوطنية الإماراتية، فهو ليس مجرد تكوين جيولوجي، بل هو رمز للهوية والتجذّر. شهد هذا الجبل أحداثاً تاريخية فارقة ارتبطت بنشوء حضارة العين وتطورها، ولطالما كان ملاذاً للسكان المحليين ومعلماً يهتدون به في ترحالهم. وقد ارتبط اسمه بالمؤسس الشيخ زايد رحمه الله الذي أولى المنطقة اهتماماً بالغاً.
تكشف المقابر الأثرية عند سفوح الجبل عن مجتمعات بشرية منظمة عاشت هنا قبل أكثر من خمسة آلاف عام، وأقامت شبكات تجارية امتدت عبر الخليج العربي.
أولى المؤسس الشيخ زايد اهتماماً كبيراً بجبل حفيت ومحيطه، فأمر بشقّ الطريق الجبلي وتطوير المنطقة المحيطة لتكون وجهة سياحية وترفيهية تليق بعظمة هذا المَعلم الطبيعي.
يُمثّل جبل حفيت اليوم جسراً بين الماضي والحاضر، حيث تتكامل جهود الحفظ والترميم والسياحة المستدامة لضمان بقاء هذا الإرث الطبيعي والحضاري حيّاً للأجيال القادمة.
يُشكّل جبل حفيت ومقابره الأثرية جزءاً جوهرياً من المشهد الثقافي لمدينة العين الذي أُدرج ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 2011م. ويُمثّل الجبل قيمة جيولوجية استثنائية بفضل طبقاته الصخرية التي تكشف عن تاريخ يمتد لأكثر من سبعين مليون عام، وتحتوي على حفريات بحرية ورواسب معدنية فريدة تُوثّق التحولات المناخية الكبرى التي شهدتها شبه الجزيرة العربية.
جبل حفيت ليس مجرد كتلة صخرية، بل هو كتاب مفتوح يروي قصة الأرض والإنسان عبر آلاف السنين، وشاهد صامت على حضارة عريقة نشأت في قلب الصحراء وازدهرت رغم قسوة الطبيعة.
يرتفع جبل حفيت بشموخٍ فوق سهول العين، شاهداً صامتاً على حضارة عريقة، ومَعلماً طبيعياً يحتضن كنوز الأرض والإنسان عبر العصور.